النويري

219

نهاية الأرب في فنون الأدب

وخدر الغرارة ، وعنفوان الشّبيبة [ غافلا « 1 » عما ] يشيب ويريب « 2 » ، لا تعى ما يراد ويشاد ، ولا تحصّل ما يساق ويقاد ، سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التي إليها عدل بك ، وعندها حطَّ رحلك ، غير مجهول القدر ، ولا مجحود الفضل ، ونحن في أثناء ذلك نعانى أحوالا تزيل الرواسي ، ونقاسى أهوالا تشيب النّواصى ؛ خائضين غمارها ، راكبين تيّارها ؛ نتجرّع صابها ، ونشرج « 3 » عيابها ؛ ونحكم أساسها ، ونبرم أمراسها ؛ والعيون تحدّج « 4 » بالحسد ، والأنوف تعطس بالكبر ، والصدور تستعر بالغيظ ، والأعناق تتطاول بالفخر ، والشّفار تشحذ بالمكر ، والأرض تميد بالخوف ، لا تنتظر عند المساء صباحا ، ولا عند الصباح مساء ، و [ لا « 5 » ] ندفع في نحر أمر إلَّا بعد أن نحسو الموت دونه ، ولا نبلغ مرادا إلى شئ إلَّا بعد جرع العذاب معه ، ولا نقيم منارا إلا بعد الإياس من الحياة عنده ، فادين في جميع ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالأب والأمّ ، والخال والعمّ ، والمال والنّشب ، والسّبد واللَّبد « 6 » ، والهلَّة والبلَّة « 7 » ، بطيب أنفس ، وقرّة أعين ، ورحب أعطان ، وثبات عزائم ، وصحّة عقول ، وطلاقه أوجه ، وذلاقة ألسن ؛ هذا مع خفيّات أسرار ، ومكنونات أخبار كنت عنها غافلا ،

--> « 1 » التكملة عن صبح الأعشى ؛ واستقامة الكلام تقتضى إثباتها . « 2 » عبارة الأصل : « تشب وتغيب » ، وهو تحريف ؛ وقوله : « ويريب » ، هو من رابني الأمر وأرابني ، إذا رأيت منه ما تكره . « 3 » أشرج العيبة وشرجها بدون همز : شدّ عراها . « 4 » التحديج بالجيم : التحديق . وفى الأصل : « تخدع » بالخاء والعين ؛ وهو تحريف . « 5 » في الأصل : « وندفع » بدون « لا » ؛ واستقامة العبارة تقتضى إثباتها . « 6 » السبد واللبد : كناية عن القليل والكثير ؛ وأصل السبد : الوبر ، واللبد : الصوف المتلبد . « 7 » يريد بالهلَّة والبلَّة كل شئ ؛ والعرب تقول : ما أصاب هلة ولا بلة : أي شيئا ، ويقال : جاءنا فلان فلم يأتنا بهلة ولا بلة ؛ قال ابن السكيت : فالهلة من الفرح والاستهلال ، والبلة من البلل والخير .